نبيل أحمد صقر
36
منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )
ولو تتبعنا - على سبيل المثال - مصادره من كتب التفسير نجد " كشاف الزمخشري الاعتزالى " قد أخذ نصيبا وافرا من التحرير والتنوير ، وقد اتفق مع صاحبه في بعض المسائل ، واختلف معه في مسائل أخرى ، بل قد يتفق مع المذهب الاعتزالى كله أو يختلف ، وهو في عرضه لكل ذلك لم يكتف بالكشاف فحسب ، بل رجع إلى كثير ممن تولوا شروح هذا التفسير ، يناقش ويحلل ويعلل خصوصا دقيق الكلام من مسائل العقيدة والإيمان . أما البلاغة وفنونها ، فلم ينقل عن الزمخشري نقلا حرفيا ، بل كان هناك نقول أخرى من مختلف كتب البيان والبديع وأسرار البلاغة والإعجاز ، إضافة إلى ثقافته الواسعة في هذا الميدان . كذلك كتب التفسير الأخرى التي تنوعت اتجاهاتها واهتماماتها لم يكن ابن عاشور ناقلا منها فحسب ، إنما كان حكما واعيا بينها ، يذكر قول المفسر أو ما رواه ومعه قول مفسر آخر أو مفسرين آخرين ، فإذا كانت الأقوال مقنعة لعقله وضميره ذكرها مستأنسا بها ، وإن لم تكن عارضها مفندا دون تعصب أو تطرف ، والقارئ يشعر أمام هذه المعارضة أن وراءها عقل راجح ، وذهن متقد ، وميزان لم تفقد يد صاحبه الإحساس بمقدار الأوزان . وكتب الحديث النبوي كانت عونا صادقا له ، رجع إليها فيما احتاجه تفسير الآية من أقوال أو أفعال الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ذاكرا إياها في المواطن التي تحتاج إلى ذكرها ، أو مكتفيا ببعض الإشارات إليها ، وله مواقف أمام السند والمتن كانت جديرة بتسجيلها نراها فيما يستقبل من صفحات هذه الدراسة ، وهو في هذا الشأن لم يكتف بكتب الحديث المعتبرة المذكورة ، ولكنه رجع أيضا إلى شرّاحها ، فلا يغفل عما ذكروه في شروح الأحاديث النبوية وتبيين مقاصدها .